النظام الإقطاعى فى العصور الوسطى إن النظام الاجتماعي الذي هيمن على الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى هو نظام الإقطاع، وربما كان أبشع وأظلم النظم الاجتماعية في التاريخ.

يرجع النظام الإقطاعي إلى عهد الرومان، إلا أنه تبلور في صورته التي عرفته أوروبا في القرن التاسع، وبلغ ذروته في أوروبا أبان القرون الوسطى، وتحديدًا في القرن الثالث عشر.

بدأ نظام الإقطاع باقتطاع الملوك والأمراء مساحات من الأراضي إلى من يدينون لهم بالولاء، وذلك مدى حياتهم، ثم أصبح ذلك أمرًا وراثيًا، فأمير الإقطاعية هو الحاكم المطلق في إقطاعيته، هو المالك لكل شيء والباقون عبيد، لا يملكون حق الانتقال من إقطاعية إلى إقطاعية.

ولم يكن مساوئ النظام الإقطاعي في الجانب المالي فحسب، بل كان للإقطاعي سلطات أخرى حصل عليها، والمدهش حقاً هو تلك القائمة الطويلة من الواجبات التي يؤديها الرقيق للمالك، عدا خضوعه المطلق لسلطته وارتباطه المحكم بإقطاعيته:

1- ثلاث ضرائب نقدية في العام.

2- جزء من محصوله وماشيته.

3- العمل سخرة كثيراً من أيام السنة.

4- أجر على استعمال أدوات المالك في طعامه وشرابه.

5- أجر للسماح بصيد السمك أو الحيوان البري.

6- رسم إذا رفع قضية أمام محاكم المالك.

7- ينضم إلى فيلق المالك إذا نشبت حرب.

8- يفتدي سيده إذا أسر.

9- يقدم الهدايا لابن المالك إذا رقي لمرتبة الفرسان.

10- ضريبة على كل سلعة يبيعها في السوق.

11- لا يبيع سلعة إلا بعد بيع سلعة المالك نفسها بأسبوعين.

12- يشتري بعض بضائع سيده وجوباً.

13- غرامة إذا أرسل ابنه ليتعلم أو وهبه للكنيسة.

14- ضريبة مع أذن المالك إذا تزوج هو أو أحد أبنائه من خارج الضيعة.

15- حق الليلة الأولى! وهي أن يقضي السيد مع عروس رقيقه الليلة الأولى، وكان يسمح له أحياناً أن يفتديها بأجر، وقد بقي بصورته هذه في بافاريا إلى القرن الثامن عشر.

16- وراثة تركته بعد موته.

17- ضريبة سنوية للكنيسة، وضريبة تركات للقائد الذي يدافع عن المقاطعة.

وقد أدى النظام الإقطاعي إلى تحول أغلب أوروبا إلى مجتمعات ريفية فقيرة، واندثرت المدنية في الكثير من الأقطار الأوروبية، كما انحصر المجتمع إلى عدة طبقات:

أولاً: السيد المالك: هو المسيطر الفعلي وصاحب النفوذ القوي في هذا النظام، وقد كان يملك حقوقاً لا حصر لها في حين ليس عليه أي واجبات حيث كان من حقه أن يضرب رقيق أرضه أو يقتله في بعض الأماكن أو الأحوال دون أن يخشى عقاباً، وكانت له في أملاكه كل السلطات القضائية والعسكرية، وكان يستفيد فوق ما يجب من الغرامات التي تفرضها محاكم الضيعة... وكان في وسع السيد الإقطاعي أن يمتلك أكثر من ضيعة واحدة... وقد يكون له قصر حصين في كل واحدة منها، وكان قصره يهدف إلى حماية سكانه أكثر مما يهدف إلى راحتهم... يحيط به خندق عميق عريض وسور متصل عال وأبواب حديدية؛ وفي وسطه برج حجري دائري يسكن فيه السيد وأسرته، وكانت جدرانه الحجرية المنيعة عماد قوة الملاك ضد مستأجريهم وضد الملك.

وكان الرجل الذي يمنعه كبرياؤه من أن يكون رقيق أرض، ولكنه أضعف من أن يعد لنفسه وسائل الدفاع العسكرية، يؤدي مراسم الولاء لشريف إقطاعي، يركع أمامه وهو أعزل عاري الرأس، ويضع يديه في يدي الشريف، ويعلن أنه رجل ذلك الشريف، ثم يقسم على بعض المخلفات المقدسة... أن يظل وفياً للسيد إلى آخر أيام حياته، ثم يرفعه السيد ويقبل.

ثانيًا: رجل الدين: كان رجل الدين بسلطته الروحية سيداً إقطاعياً إلى حد ما، وكان يملك الإقطاعيات، ويتحلى بالألقاب الإقطاعية ، ويورث مرتبته لذريته.

يقول ديورانت: أصبحت الكنيسة أكبر ملاَّك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا، فقد كان دير فلدا مثلاً، يمتلك 15000 قصر صغير، وكان دير سانت جول يملك ألفين من رقيق الأرض، وكان الكوين فيتور أحد رجال الدين سيداً لعشرين ألفاً من أرقاء الأرض، وكان الملك هو الذي يعين رؤساء الأساقفة والأديرة، وكانوا يقسمون يمين الولاء كغيرهم من الملاك الإقطاعيين، ويلقبون بالدوق والكونت وغيرها من الألقاب الإقطاعية... وهكذا أصبحت الكنيسة جزءاً من النظام الإقطاعي.

ثالثًا: العبد: أباحت الكنيسة استرقاق المسلمين والأوروبيين الذين لم يعتنقوا الدين المسيحي، وكان آلاف من الأسرى الصقالبة أو المسلمين يوزعون عبيداً على الأديرة، وكان القانون الكنسي يقدر ثروة أراضي الكنيسة في بعض الأحيان بعدد من فيها من العبيد لا بقدر ما تساوي من المال، فقد كان العبد يعد سلعة من السلع كما يعده القانون الزمني سواء بسواء، وحرم على عبيد الكنائس أن يوصوا لأحد بأملاكهم، وحرم البابا جريجوري الأول على العبيد أن يكونوا قساوسة، أو أن يتزوجوا من المسيحيات الحرائر.

رابعًا: رقيق الأرض: لم يكن رقيق الأرض عبداً بمعنى الكلمة، لكن حاله لا يختلف عن العبد في شيء، والفارق بينهما أن العبد في الأصل إما أسير مغلوب، وإما مخالف للسيد في الدين أو الجنس أو المذهب، بعكس الرقيق الذي هو أصيل في الإقطاعية، وينتمي إلى الدين والجنس اللذين ينتمي إليهما سيده.

والأصل في رقيق الأرض أنه رجل يفلح مساحة من الأرض يمتلكها سيد أو بارون، وكان في وسع المالك أن يطرده متى شاء، وكان من حقه في فرنسا أن يبيع الرقيق مستقلاً عن الأرض، أما في إنجلترا فقد حرم من مغادرة الأرض، وكان الذين يفرون من أرقاء الأرض يعاد القبض عليهم بنفس الصرامة التي يعاد بها القبض على العبيد، وهذا الصنف هو الصنف الغالب في الإقطاعيات، بل هو في الحقيقة يمثل مجموع سكان أوروبا تقريباً باستثناء النبلاء ورجال الدين.

وقد كان انقسام المجتمع إلى هذه الطبقات سبب رئيسي وهو الحروب الصليبية، التي أثقلت أوروبا بالكثير من الأموال، ففرض الملوك الكثير من الضرائب على الإقطاعيين، وبدورهم لم يجد الإقطاعيين موردًا لتحصيل الضرائب إلا فرض الضرائب كذلك على ما يملكون من عبيد تحت أيديهم.

وأدى هذا إلى مزيد من الاستغلال للأرقاء من قبل أسيادهم، كي يعوض الأسياد عن الضرائب التي فرضتها الحكومة المركزية على إقطاعياتهم، ولم يَدُر ببال الملوك أن يفكروا في شأن الأرقاء، بل كان كل همهم أن تأتي الضريبة كاملة من أي طريق.

ولقد بدأت أوروبا تتململ من رقدتها سبب تلك الأوضاع الاجتماعية الصعبة التي تعيشها في الإقطاع، وكان احتكاكها بالعالم الإسلامي عن طريق الأندلس والحروب الصليبية أكبر الأثر في ذلك، ولكن كان من العوائق الكبرى التي خيبت جهود الثائرين أن الكنيسة وقفت ضدهم وأجهضت محاولاتهم.

حيث أقرت الكنيسة النظام الإقطاعي السائد، بل أصبحت مؤسسة من مؤسساته الثابتة، وأقرت الاضطهاد الفظيع الذي كان يتعرض له أرقاء المجتمع رغم تنافيه مع تعاليم الإنجيل، ووقفت تتهدد الثائرين على الظلم المتمردين على الطواغيت بأنهم مارقون من الدين، وأنهم ملعونون عند الله.

وحاولت تخدير الثائرين على الظلم بأن الرضا بالظلم في الحياة الدنيا هو مفتاح الرضوان في الآخرة، فأما العبيد الثائرون فقالت لهم: إن السيد المسيح يقول: من خدم سيدين في الدنيا خير ممن خدم سيدًا واحدًا، وأما المظلومون عامة فقالت لهم: إن من احتمل عذاب الدنيا؛ فسيعوضه الله بالجنة في الآخرة.

بل سلكت الكنيسة مسلكا آخر غير التهديد والترغيب بالآخرة، سلكت مسلك التبرير المسيحي لنظام الاسترقاق الإقطاعي على يد القديس توما الأكوينى الذي فسره بأنه نتيجة لخطيئة آدم ،وكأن رجال الكنيسة والبارونات ليسوا من بني آدم.

ومن هنا قال ماركس قولته الشهيرة: الدين أفيون الشعوب، وهي قولة صادقة كل الصدق على دين الكنيسة المحرف، ولكنها كاذبة كل الكذب حين تطلق على الدين المنزل من عند الله.

وقد كان لهذا النظام الاجتماعي الظالم ومساندة الكنيسة له أثرًا خطيرًا في الحياة والفكر الغربي، فقد تم الربط بين الإقطاع والدين، حيث كان النظام الإقطاعي في عنفوان شبابه، في الفترة نفسها التي كانت المسيحية فيها في أوج عظمتها، ثم كان انهيار النظام موازياً لانهيار الكنيسة، واستنتجت أوروبا في عصر النهضة من ذلك معادلة خاطئة، وهي أن المجتمع الإقطاعي طبقي ظالم؛ لأنه متدين، وإذًا فزوال الظلم من المجتمع يستلزم نبذ الدين كلية، أو على الأقل عزله عن التأثير في مجريات الأحداث؛ وتلك كانت نظرية الكتاب الطبيعيين الذين وضعوا نواة الفكر الرأسمالي الحديث. وبالإشارة إلى النظام الإقطاعي نكون قد استجمعنا الأسباب التي أدت إلى الثورة على الكنيسة.
المصدر: نخبة النخبة


hgk/hl hgYr'hud td hguw,v hg,s'n hgYr'hud hg,s'n